الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
329
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
ولعمري أن لو بحاتم طيئ * أو بزيد لحقت غير تمار « 1 » أو بذي الجود طلحة غاية الجو * د لضلّوا في بحرك الزّخار « 2 »
--> - فما كعب بن مامة وابن أروى * بأجود منك يا عمر الجوادا فمن جود كعب بن مامة : أنه آثر على نفسه ، وكان مسافرا ورفيقه رجل من النمر بن قاسط ، فقل عليهما الماء فتصافناه ، والتصافن هو أن يطرح في الإناء هذا الحجر الذي يقسم به الماء « يقال له المقلة بفتح الميم » ثم يصب فيه من الماء ما يغمره لئلا يتغابنوا ، وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه ، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أخذ كعب نصيبه قال : اسق أخاك النمري ، فيؤثره ، حتى جهد كعب ، ورفعت له أعلام الماء ، فقيل له : رد كعب ولا ورود به ، فمات عطشا ، ففي ذلك يقول أبو دؤاد الأيادي : أوفى على الماء كعب ثم قيل له * رد كعب إنك ورّاد فما وردا وأما أوس بن حارثة بن لأم الطائي : فكان سيدا مقدما ، فوفد هو وحاتم بن عبد اللّه الطائي على الملك عمرو بن هند ، وأبوه المنذر بن المنذر ماء السماء فدعا أوسا فقال له : أأنت أفضل أم حاتم ؟ فقال أبيت اللعن ، لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة . ثم دعا حاتما فقال له : أنت أفضل أم أوس ؟ فقال : أبيت اللعن ، إنما ذكرت بأوس ولأحد ولده أفضل مني . وكان النعمان بن المنذر دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حي ، فقال : احضروا في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم ، فحضر القوم جميعا إلا أوسا ، فقيل له : لم تخلفت ؟ فقال : إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضرا ، وإن كنت أنا المراد فسأطلب ويعرف مكاني ، فلما جلس النعمان لم ير أوسا ، فقال : اذهبوا إلى أوس فقولوا له : أحضر آمنا مما خفت ، فحضر فألبس الحلة ، فحسده قومه من أهله ، وقالوا للحطيئة : اهجه ولك ثلاثمائة ناقة ، فقال الحطيئة : كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا من عنده ، ثم قال : كيف الهجاء وما تنفك صالحة * من آل لأم بظهر الغيب تأتيني فقال لهم بشر بن أبي خازم ، أحد بني أسد بن خزيمة : أنا أهجوه لكم ، فأخذ الإبل وفعل ، فأغار أوس على الإبل فاكتسحها ، فجعل بشر لا يستجير حيا إلا قال : قد أجرتك إلا من أوس ، وكان في هجائه إياه قد ذكر أمه ، فأتى به فدخل أوس على أمه فقال : قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي ، فما ترين فيه ، فقالت : أو تطيعني فيه ، قال : نعم ، قالت : أرى أن ترد عليه ماله وتعفو عنه وتحبوه ، وأفعل مثل ذلك ، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه ، فخرج إليه فقال : إن أمي سعدى التي كنت هجوتها قد أمرت فيك بكذا وكذا ، فقال : لا جرم ، واللّه لا مدحت أحدا حتى أموت غيرك ، ففيه يقول : إلى أوس بن حارثة بن لأم * ليقضي حاجتي فيمن قضاها وما وطئ الثرى مثل ابن سعدى * ولا لبس النعال ولا احتذاها « كامل المبرد ج 1 ص 136 » . ( 1 ) قد تقدم ذكر حاتم سابقا . ( 2 ) المراد بطلحة هنا هو طلحة بن عبد اللّه بن خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة الخزاعي المشهور بطلحة الطلحات ، ويسمى بذلك لأن أمه صفية بنت الحارث بن طلحة ، وكان طلحة أجود أهل البصرة غير مدافع ، وهو الذي يضرب به المثل ، وفيه يقول الشاعر : رحم اللّه أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات